محمد بن جرير الطبري
416
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أن يقول : " من قُبُلها ، أو : من دُبُرها " ، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم = إذْ سئلت : ( أَنَّى لَكِ هَذَا ) = أنها قالت : ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) . وإذ كان ذلك هو الجواب ، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " ، إنما هو : فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل . وإذ كان ذلك هو الصحيح ، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " ، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار ، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه ، ( 1 ) وإنما قال تعالى ذكره : " حرث لكم " ، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم . وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال : ائته من وجهه ؟ وبيِّنٌ بما بينا ، ( 2 ) صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس : من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين : " إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها ، جاء الولد أحول " . ( 3 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى ذلك : فقال بعضهم : معنى ذلك : قدموا لأنفسكم الخيرَ . * ذكر من قال ذلك :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " لا يخترث فيه " وكلاهما قريب ، والذي في المخطوطة جود . ( 2 ) في المطبوعة : " وتبين بما بينا " والصواب من المخطوطة ، وهو عطف على قوله آنفًا : " فبين خطأ من زعم " . ( 3 ) حجة أبي جعفر في هذا الفصل من أحسن البيان عن معاني القرآن وعن معاني ألفاظه وحروفه وهي دليل على أن معرفة العربية ، وحذقها والتوغل في شعرها وبيانها وأساليبها أصل من الأصول ، لا يحل لمن يتكلم في القرآن أن يتكلم فيه حتى يحسنه ويحذقه . ورحم الله ابن إدريس الشافعي حيث قال - فيما رواه الخطيب البغدادي عنه في كتاب " الفقيه والمتفقه " . " لا يحلُّ لأحدٍ أنْ يُفْتِي في دِينِ اللهِ إلّا رجلًا عارفًا بكتاب الله : بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ومكيِّه ومدنيِّه ، وما أريدَ به = ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن = ويكون بصيرًا باللغة بصيرًا بالشعر ، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ، ويستعمل هذا مع الإنصاف = ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار = وتكون له قريحةٌ بعد هذا . فإذا كانَ هكذا فله أنْ يتكلّم ويفتي في الحلال والحرام ، وإذا لم يكنْ هكذا ، فليس له أن يفتي " . فليت من يتكلم في القرآن والدين من أهل زماننا يتورع من مخافة ربه ، ومن هول عذابه يوم يقوم الناس لرب العالمين .